محمد حسين علي الصغير
210
المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم
وبناء على ما تقدم فقد كانت عبادة بعض النصارى لعيسى باطلة لا يصح معها ضرب المثل من قبل قريش ، ولا وجه للمقايسة بين ما عبدوه من الملائكة ، وما ضربوا هذا المثل إلا حبا في الجدل والمراء الظاهر ، بيد أن الطبيعة الجدلية عند قريش قد تفرض هذا المنطق في المخاصمة ، فإضافة إلى تعنّتهم بأساليب الجدل والحوار نجدهم يتتبعون كل عبارة بل كل إشارة قد تعني شيئا يتشبّثون به أنى اتفق ، ويتصيدون أي لفظ يمكن من خلاله إثارة شبهة أو قضية ، حتى وإن لم تجد فيه إلى الاستقامة سبيلا ، ولكنه اصطراع من أجل البقاء فيما يتصورون ، فلقد أذيبوا وانتهت دولتهم ، فلا النزاع ينقذهم ، ولا المراء يحقق لهم الغلب . وفي إشارة إلى نوعية ضلال المشركين بإشراك الملائكة في العبادة يتناسق السياق القرآني بقوله تعالى : وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ ( 60 ) . فالملائكة من عباد اللّه المقربين ، لا تربطهم باللّه إلا صلة العبد بخالقه ، يأتمرون بأمره ، ولا شاء لاستخلفهم في الأرض بدلا من البشر ، أو خلفا لهم ، أو اشتقاقا منهم ، أو بصورة ذات كيفية جديدة وهو المبدع المصور ، وفيه إنكار ضمني غير خاف على من اتخذ الملائكة آلهة من دون اللّه . وتعود الآيات إلى عيسى عليه السّلام لتقرر أنه من أشراط الساعة ، ودليل وقوعها يعلم به قربها ، ويكون إمارة على مجيئها ، عسى أن يتذكر المشركون السّاعة ، وهم في ريب منها وشك في أمرها ، في محاولة لانقاذهم لو تصوروا هولها ، وتحسسوا وقعها : وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ( 61 ) . وقد تضافرت الروايات كثرة وشيوعا في نزول عيسى إلى الأرض قبيل الساعة ، فعن جابر بن عبد اللّه الأنصاري ( رض ) « سمعت النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم يقول ينزل عيسى بن مريم ، فيقول : أميرهم تعال صل بنا فيقول : لا . إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة من اللّه لهذه الأمة ( أورده مسلم في الصحيح ) « 1 » .
--> ( 1 ) الطبرسي ، مجمع البيان : 5 / 54 .